“انتهى وقتكم، وبدأ وقت العراق والعراقيين”
تجربة دكتاتور فنزويلا نيكولاس مادورو تُعد مثالًا صارخًا على كيف يمكن لحاكم وصل إلى السلطة في غفلة تاريخية، وسرق الانتخابات، واستمر في الحكم رغم الرفض الشعبي الداخلي والعزلة الدولية، أن يعتقد أنه بمنأى عن المحاسبة. مادورو لم يكتفِ بقمع القوى الوطنية والمدنية الفنزويلية وتصفيتها، بل نسج شبكة علاقات مع أكثر التنظيمات والجهات فسادًا وإجرامًا في العالم، من حزب الله اللبناني إلى الحرس الثوري الإيراني، وصولًا إلى مافيات المخدرات العابرة للحدود، متحديًا بذلك المجتمع الدولي بشكل سافر. ومع ذلك، لم تحتاج العدالة الدولية أكثر من ثلاثين دقيقة لتغيّر المشهد: اختطافه مع زوجته ونقله إلى نيويورك لمحاكمته على الجرائم التي ارتكبها، في رسالة واضحة مفادها أن الإفلات من العقاب ليس قدرًا أبديًا
في هذا السياق، لا يمكن قراءة تهديدات وتصريحات مارك سافايا بمعزل عن تهيئة المناخ الدولي لما قد يجري في العراق. هذه التصريحات لم تعد زلّات خطابية أو مواقف عابرة، بل تحولت إلى نمط أسبوعي مقصود، يفضح بوضوح تبعية حكّام بغداد لإيران، ويضع النظام الإيراني نفسه أمام سيناريو سقوط متسارع. آخر هذه الرسائل، التي جاءت في تغريدة لافتة بلهجة غير مسبوقة، رسمت ملامح خارطة طريق لعراق جديد، مستخدمة لغة تتجاوز بكثير ما اعتدناه في الخطاب الأمريكي التقليدي، سواء من حيث الشكل أو المضمون. إنها لغة ضغط وتهيئة، لا تخلو من التهديد ولا تنفصل عن الدعوة للتغيير، وتوحي بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات أسرع وأعمق مما يتوقعه كثيرون، عراقيًا وإقليميًا ودوليًا
رسالة التهنئة بمناسبة العام الجديد هذه لم تكن مجرّد مجاملة بروتوكولية، بل إنذارًا مبطّنًا كُتب بلغة هادئة تخفي وراءها تهديدًا صريحًا. فهي لم تُوجَّه إلى طهران وحدها، ولا إلى عتاكة بغداد ومن يدور في فلكهم، بل إلى كل من لا يزال يراهن على الحصانة أو الإفلات من العقاب، من صغار الأدوات المحلية إلى كبار مهندسي المشروع الإيراني في المنطقة
النهج الذي اعتمده الرئيس دونالد ترامب في إدارة الملفات الحساسة لا يقوم على المجاملة ولا على الغموض الدبلوماسي المعتاد، بل على معادلة قاسية ومدروسة تجمع بين التهديد العلني والضغط الخفي. سياسة العصا والجزرة هنا ليست شعارًا، بل أداة كسر إرادات: تهديدات مباشرة لا تحتمل التأويل، مقابل رسائل تفاوضية مشروطة لا تُمنح إلا لمن يثبت استعداده للتراجع. الهدف إنهاك نفسي وسياسي، تمتد ارتداداته إلى الحلفاء والأذرع قبل أن تصل إلى مركز القرار في طهران، تتبعه ضربات جوية استباقية مدمرة، تعقبه تغير نظام
رسالة سافايا الاخيرة جزء لا يتجزأ من حرب نفسية منظمة، حيث لا تُطلق الكلمات عبثًا، ولا تُستخدم مصطلحات مثل “السقوط السريع” دون قصد. فالمقصود ليس تحديد ساعة الصفر، بل ضرب الثقة من الداخل، وتفكيك صورة القوة، ودفع الخصوم إلى الشك في قدرتهم على الصمود. إنها رسالة تقول بوضوح: لم يعد الزمن يعمل لصالحكم، وكل الخيارات باتت على الطاولة. من يستخف بهذه الإشارات إما يفتقر إلى القراءة السياسية، أو يختار الإنكار كملاذ أخير. ففي لحظات التحول الكبرى، لا تسبق الضرباتُ الكلماتَ، بل تمهّد الكلماتُ الطريق للضربات. والتاريخ السياسي مليء بأنظمة سقطت لأنها استهانت بالرسائل، واعتقدت أن الصمت الأمريكي يعني التراجع، فإذا به مقدّمة لانقلاب المشهد بالكامل
كان مارك سافايا هذه المرة أكثر وضوحًا وحسمًا في تغريدته التي حملت عنوان «الرسالة». فبعد التهنئة، انتقل مباشرة إلى تمجيد صمود العراقيين ووقوفهم بوجه الهجمة الدينية–السياسية الصفوية، بشقيها الشيعي والسني، التي جثمت على صدورهم طوال اثنين وعشرين عامًا. وأكد أن هذا الصبر وهذا الثبات لن يذهبا سدى، متعهدًا بأن الولايات المتحدة ستكافئ العراقيين بـ عام جديد أفضل، أكثر استقرارًا، ومستقبل أكثر إشراقًا لجميع العراقيين. ولم يكتفِ بالوعود، بل رسم طريقًا واضحًا لتحقيق هذا التحول عبر ثمانية عشر عملًا محددًا، اعتبر تنفيذها إعلانًا صريحًا عن نهاية حقبة كاملة من الفوضى والانهيار، ونقطة بداية لمرحلة جديدة. هذه الأعمال تعني، وبلا لبس، وضع حدٍّ لـ:
عدم الاستقرار، السلاح المنفلت، المليشيات، التوترات الداخلية، التدخلات الخارجية، الفساد المنهجي، نهب ثروات البلاد، التهريب، غسيل الأموال، العقود الوهمية، الاختلاسات، التحايل على القانون، تردي الخدمات، البطالة، الجهل، الفقر، انعدام العدالة، والظلم
وختم رسالته بأقسى وأوضح تهديد يُطلق حتى اليوم، موجّهًا كلامه صراحة إلى من عاثوا في أرض العراق فسادًا: «انتهى وقتكم، وبدأ وقت العراق والعراقيين. سيبقى العراق، ويبقى علمه عاليًا خفاقًا، مصدر فخر لكل العراقيين»
إن تطبيق هذه الأعمال الثمانية عشر، بمعناه الحقيقي، هو إعلان رسمي عن نهاية عهد إجرامي فاشل، عميل للخارج، طائفي، حاقد على كل ما هو عراقي، وبداية عهد جديد تقوده قيادة مدنية علمانية وطنية، لا صلة لها بمن سبقها، قيادة متطورة تؤمن بالعراق وتعمل بإخلاص من أجل شعبه. سافايا سيصل، لكن الرسالة الحقيقية ستسبقه عبر ضربات مركزة تطال عناصر وقواعد ومقار المليشيات العميلة، لتؤكد أن العراق دخل فعليًا طريق التغيير، وأن لا معمّم ولا “ جنرال او دكتور دمج” قادر على إيقاف هذا المسار. وعند وصوله، سيكون رئيس الوزراء لتصريف الأعمال واقفًا على الباب الخارجي، مصطفًّا مع كامل حكومته من الجواسيس، في مشهد ترحيب مذلّ، لإعلان الجاهزية لتنفيذ الأوامر، ما دامت كراسيهم ومصالحهم وعشيقاتهم في مأمن
سافايا سيمنحهم الإنذار الأخير؛ إنذارًا سيقود معظمهم إلى الرحيل بلا عودة، مع خطة صارمة وواضحة يُلزم رئيس الوزراء بتنفيذها كاملًا، دون تلاعب. وخلال أسبوع واحد فقط، سيعود سافايا حاملاً أسماء مرشحين جدد لشغل المناصب الأساسية في الحكومة القادمة، مدنيين وعسكريين، ومحكمة عليا جديدة برئيسها واعضائها إيذانًا بولادة مرحلة مختلفة تمامًا عن كل ما عرفه العراقيون سابقًا
العراق، وكما وعدناكم مرارًا، سيتحرر من العبودية والفساد، وينطلق بثبات نحو عالم الحرية والتقدم والنجاح. تذكّروا دائمًا أن العدالة لا تضيع، وأن الله معنا في طريق بناء عراق الغد، عراق الدولة والكرامة والإنسان
د، أيهم السامرائي
الحراك العراقي
٨ / ١ / ٢٠٢٦
Leave a comment